عفيف الدين التلمساني

250

شرح مواقف النفري

علم أن المراد إنما هو هذا ؛ لأنه ما تجلى لشيء فاحتجب عنه بعد ذلك ، وهذا من حقيقة الجود الإلهي . واعلم أن لجاهل أن يقول إذا ذهب الكلام عن قانون المصطلح عليه لم يحصل منه فائدة ، ولا يدري أن لغة الحق معلومة عند أهله ، والخطاب إنما هو لهم ومعهم لا مع غيرهم ، وقد ورد في المواقف ما صورته « ما كل أحد يفهم لغتي فتحادثه ولا كل أحد يعلم ترجمتي فتخاطبه » وفي هذا كفاية . قوله : ( وقال لي : إن لم تخرج صفتك عن هذه الرؤية صبرت عن صفتك وعن دواعي صفتك وإذا صبرت عن صفتك وعن دواعي صفتك قيل بين يديّ فلان وقلت لملائكتي فلان وليّ فشهرتك بي وكتبت على جبينك ولايتي وأشهدتك أنني معك أين كنت وقلت لك قل فقلت واشفع فوقع ) . قلت : معنى قوله صبرت عن صفتك أنه لا يراها بعد تلك الرؤية صفة للعبد فتنتسب الصفة إلى موصوفها الحق . وباقي التنزل ظاهر . قوله : ( وقال لي : إن لم تخرج صفتك عن هذه الرؤية وقفت في مقام العصمة وأثبت فيك حشمة من الشهوات وحياء من تناول العادات ) . قلت : هذا أيضا ظاهر المعنى . قوله : ( وقال لي : إنما أظهرت الشهوات سترا على المستور لأنه لا يستطيع أن يقوم بين يديّ إلا في سترة فمن كشفت له عن نفسه لم أستره من بعدها بنفسه ) . قلت : يعني جعل الشهوات تدعو إلى الفعل ؛ فيظن المحجوب أنها الموجبة للفعل ، فيستتر الأمر عنه ولا يبدو له الحقيقة لوجدانه داعي الشهوة في قلبه ، ولا ينسب ذلك إلى ربه لأنه لا يستطيع ذلك ، وهو معنى قوله : « لأنه لا يستطيع أن يقوم بين يدي إلا في ستره » أي هذه حاله . ثم قال : « فمن كشفت له عن نفسه لم أستره من بعدها بنفسه » معناه : أي من عرف نفسه عرف أن الشهوات ودواعيها والأفعال التي تناسبها إنما هي صادرة عن مبدئها ومنشئها وأن ما يراه الحق منها هو ما أثبته الشهوة فيها من غير مغايرة .